يمثل الانتشار السريع للطابع الحضري في المجتمعات الأفريقية سمة مُمَيِزة للتنمية في عموم القارة. فبينما لا يزال 74 في المئة من الكينيين -
أو 37 مليون نسمة تقريبا - يعيشون في المناطق الريفية، يهاجر المزيد
والمزيد من مواطني هذا البلد إلى المدن المكتظة بسكانها، بحثا عن فرص أفضل
للتعليم والعمل.
في "ديموغرافيكا"، لا توجد سوى 26 صورة تمثل قاطني
المدن، ممن يبلغ عددهم نحو 13 مليون كيني. لكن التغيير قادم، فبحلول عام
2050 يُتوقع أن يزيد عدد المقيمين في المدن، ليصل إلى قرابة نصف تعداد السكان في البلاد، وفقا لتقديرات شعبة السكان في إدارة الشؤون الاقتصادية
والاجتماعية في الأمم المتحدة.
وبحسب هوفي، المسؤولة في المنظمة
الدولية، يشكل توسع المناطق الحضرية خطوة طبيعية وضرورية من أجل تحقيق
التنمية. لكن ذلك لا يمنع من أن إدارة الموارد ووضع خطط تتعلق بالبنية
التحتية ربما يشكلان تحديا. ويتفق العالم أونيانغو مع فكرة مفادها أن من
شأن تهالك البنية التحتية وسوء التخطيط وضع ضغوط هائلة على الخدمات التي تقدمها السلطات المحلية في المدن، مثل الإسكان وتوصيل المياه النقية والصرف
الصحي.
وتقول هوفي: "السؤال لا يتمثل في ما إذا كان انتشار الطابع
الحضري يحدث أم لا، لأنه في طور الحدوث بالفعل، لكن علينا أن نتيقن من أن ذلك يحدث بطريقة مستدامة ومُخططة، وأنه لن يفضي لحدوث اكتظاظ سكاني غير
قابل للاستمرار".
رغم وجود 44 قبيلة في كينيا، فإن غالبية السكان ينتمون إلى خمس منها
فحسب: الكيكويو بنسبة 17 في المئة، ولوهيا بنسبة 14 في المئة، وليوو بنسبة 10 في المئة، وكالينجين بنسبة 13 في المئة، وأخيرا كامبا بنسبة 10 في
المئة. ولوقت طويل ظلت مسألة الأصل العرقي تُقسّم كينيا، التي تشكَّل
مجتمعها بحسب الانتماءات العرقية كذلك. وكان لهذه الانقسامات جذور في الماضي الاستعماري، الذي شهد تأليب القبائل ضد بعضها بعضا، للحصول على مزيد
من الثروة، أو للسيطرة على مساحة أكبر من الأرض. اللافت أن تلك الممارسات
لا تزال قائمة في المجتمع في صور أخرى، على شاكلة الساسة المعاصرين الذين يثيرون الانقسامات لكسب مزيد من الأصوات.
ولعل يجب علينا الإشارة
هنا إلى أنه كان لكل من قبائل كينيا في الماضي زي وثقافة تتميز بهما عن
القبائل الأخرى، وهو ما كان يتيح الفرصة للمرء للتمييز بين أبناء هذه القبيلة أو تلك، من خلال الزي الذي يرتدونه أو الاسم الأخير لكل منهم أو
المنطقة التي نشأوا فيها. ويمكن رؤية نماذج لذلك من خلال بعض الأعمال
الفنية، مثل مجموعة جوي آدمسون من اللوحات، التي تُوجد في المتحف الوطني
بنيروبي. وتُظهر هذه المجموعة ما تتميز به القبائل المختلفة من أردية، أو
طرق في صبغ الوجه، أو حُلي للأذن وغير ذلك.
لكن غالبية الكينيين
تخلوا الآن عن تلك الأزياء القبلية التقليدية، ليرتدوا ثيابا عصرية، وهو ما يخفي - على نحو متزايد - الاختلافات العرقية القائمة بينهم. فإذا عدنا إلى
الصور المئة التي التقطها جونز، سنجد أن عددا محدودا منها هو ما يُظهر
أردية أو إكسسوارات مُمَيِزة لقبائل بعينها. أما غالبية من ظهروا في الصور فقد كانوا يرتدون قمصانا عادية أو سترات خفيفة، وهو ما يجعل مظهرهم لا يشي
بانتماءاتهم القبلية.
ويكشف الكثير من صور مشروع "ديموغرافيكا" أن العلامات الظاهرة التي كانت توضّح في ذات يوم انتماء المرء إلى هذه القبيلة
أو تلك ربما تكون في سبيلها للتلاشي. ويقول جونز في هذا الشأن: "أردت أن
أُظهر عبر الصور أنه من الصعب حقا أن تعرف الانتماء القبلي لهذا الشخص أو
ذاك. فبالنسبة لغالبية الأشخاص، لن تجد (إذا نظرت إلى صورهم) أي فكرة أو
مؤشر يساعدك في هذا الصدد".
قد يبدو من المفارقة أن نشير إلى أن النمو السكاني الهائل الذي تشهده كينيا يتزامن مع تراجع معدل المواليد في البلاد. فبينما كان عدد الأطفال
الذين يُتوقع أن تنجبهم كل امرأة هناك 8.1 في المتوسط عام 1978، فقد هوى
العدد إلى 4.6 في 2008، ومن المتوقع أن يتواصل التراجع ليبلغ 2.4 بحلول
2050.
ورغم أنه من المتوقع أن تتباطأ معدلات الإنجاب خلال السنوات المقبلة، فإن إجمالي عدد سكان أفريقيا - بشكل عام - سيواصل النمو بنسبة
هائلة، ليفوق ملياريْ نسمة بحلول 2050 أيضا.
وعلى أي حال، من الصعب الإبقاء على معدلات النمو مرتفعة في بلد ما، في وقت يتزايد عدد سكانه
بإفراط. ويقول البعض إن الكثير من الملياريْ نسمة - الذين يُتوقع أن تضمهم
جنبات أفريقيا بحلول عام 2050 - سيواجهون تحديات ضخمة، ما لم تحرص حكومات بلدانهم على التخطيط بشكل سليم، وتعمل على توفير الوظائف وضخ الاستثمارات
في مجال البنية التحتية.
لكن آخرين يرون أن عوامل مثل التوسع
المتزايد للمناطق الحضرية جنبا إلى جنب مع التطبيق المدروس لبرامج تنظيم
الأسرة وحدوث ما يُعرف بالاستيعاب الثقافي، قد توفر جميعا أملا لدول مثل
كينيا، تواجه تحولات ديموغرافية هائلة.
وبالعودة إلى المسؤولة الأممية بيلا هوفي، سنجد أنها ترى أن ثمة "تقدما هائلا" أُحْرِزَ رغم
التحديات التي يحفل بها المستقبل. وتقول: "يحلو لي اعتبار أن وجود تقسيمات
ديموغرافية يشكل فرصة؛ نحن بحاجة إلى الاستفادة منها".
ويمثل مشروع
"ديموغرافيكا" احتفاءً بهذا التقدم الذي تحدثت عنه هوفي. فتصوير المشروع لكينيا وسكانها يُظهر أن التحولات المستمرة التي تطرأ على سمات سكانها،
المتعلقة مثلا بالعمر والنوع والانتماء القبلي، قد تؤدي في واقع الأمر إلى
جَسْر الاختلافات التي قسّمت البلاد في يوم ما، أو إلى التقريب بين
مكوناتها أكثر من ذي قبل.
وفي النهاية يقول جونز: "يضفي مشروع كهذا طابعا إنسانيا على البيانات والإحصائيات. إنها وسيلة للتوافق مع الواقع،
ولرؤية كيف يتغير عالمنا".
No comments:
Post a Comment