Thursday, October 17, 2019

فاطوما نيجلو: امرأة في الخمسين من عمرها تنتمي لتجمع بورانا السكاني

يمثل الانتشار السريع للطابع الحضري في المجتمعات الأفريقية سمة مُمَيِزة للتنمية في عموم القارة. فبينما لا يزال 74 في المئة من الكينيين - أو 37 مليون نسمة تقريبا - يعيشون في المناطق الريفية، يهاجر المزيد والمزيد من مواطني هذا البلد إلى المدن المكتظة بسكانها، بحثا عن فرص أفضل للتعليم والعمل.
في "ديموغرافيكا"، لا توجد سوى 26 صورة تمثل قاطني المدن، ممن يبلغ عددهم نحو 13 مليون كيني. لكن التغيير قادم، فبحلول عام 2050 يُتوقع أن يزيد عدد المقيمين في المدن، ليصل إلى قرابة نصف تعداد السكان في البلاد، وفقا لتقديرات شعبة السكان في إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية في الأمم المتحدة.
وبحسب هوفي، المسؤولة في المنظمة الدولية، يشكل توسع المناطق الحضرية خطوة طبيعية وضرورية من أجل تحقيق التنمية. لكن ذلك لا يمنع من أن إدارة الموارد ووضع خطط تتعلق بالبنية التحتية ربما يشكلان تحديا. ويتفق العالم أونيانغو مع فكرة مفادها أن من شأن تهالك البنية التحتية وسوء التخطيط وضع ضغوط هائلة على الخدمات التي تقدمها السلطات المحلية في المدن، مثل الإسكان وتوصيل المياه النقية والصرف الصحي.
وتقول هوفي: "السؤال لا يتمثل في ما إذا كان انتشار الطابع الحضري يحدث أم لا، لأنه في طور الحدوث بالفعل، لكن علينا أن نتيقن من أن ذلك يحدث بطريقة مستدامة ومُخططة، وأنه لن يفضي لحدوث اكتظاظ سكاني غير قابل للاستمرار".
رغم وجود 44 قبيلة في كينيا، فإن غالبية السكان ينتمون إلى خمس منها فحسب: الكيكويو بنسبة 17 في المئة، ولوهيا بنسبة 14 في المئة، وليوو بنسبة 10 في المئة، وكالينجين بنسبة 13 في المئة، وأخيرا كامبا بنسبة 10 في المئة. ولوقت طويل ظلت مسألة الأصل العرقي تُقسّم كينيا، التي تشكَّل مجتمعها بحسب الانتماءات العرقية كذلك. وكان لهذه الانقسامات جذور في الماضي الاستعماري، الذي شهد تأليب القبائل ضد بعضها بعضا، للحصول على مزيد من الثروة، أو للسيطرة على مساحة أكبر من الأرض. اللافت أن تلك الممارسات لا تزال قائمة في المجتمع في صور أخرى، على شاكلة الساسة المعاصرين الذين يثيرون الانقسامات لكسب مزيد من الأصوات.
ولعل يجب علينا الإشارة هنا إلى أنه كان لكل من قبائل كينيا في الماضي زي وثقافة تتميز بهما عن القبائل الأخرى، وهو ما كان يتيح الفرصة للمرء للتمييز بين أبناء هذه القبيلة أو تلك، من خلال الزي الذي يرتدونه أو الاسم الأخير لكل منهم أو المنطقة التي نشأوا فيها. ويمكن رؤية نماذج لذلك من خلال بعض الأعمال الفنية، مثل مجموعة جوي آدمسون من اللوحات، التي تُوجد في المتحف الوطني بنيروبي. وتُظهر هذه المجموعة ما تتميز به القبائل المختلفة من أردية، أو طرق في صبغ الوجه، أو حُلي للأذن وغير ذلك.
لكن غالبية الكينيين تخلوا الآن عن تلك الأزياء القبلية التقليدية، ليرتدوا ثيابا عصرية، وهو ما يخفي - على نحو متزايد - الاختلافات العرقية القائمة بينهم. فإذا عدنا إلى الصور المئة التي التقطها جونز، سنجد أن عددا محدودا منها هو ما يُظهر أردية أو إكسسوارات مُمَيِزة لقبائل بعينها. أما غالبية من ظهروا في الصور فقد كانوا يرتدون قمصانا عادية أو سترات خفيفة، وهو ما يجعل مظهرهم لا يشي بانتماءاتهم القبلية.
ويكشف الكثير من صور مشروع "ديموغرافيكا" أن العلامات الظاهرة التي كانت توضّح في ذات يوم انتماء المرء إلى هذه القبيلة أو تلك ربما تكون في سبيلها للتلاشي. ويقول جونز في هذا الشأن: "أردت أن أُظهر عبر الصور أنه من الصعب حقا أن تعرف الانتماء القبلي لهذا الشخص أو ذاك. فبالنسبة لغالبية الأشخاص، لن تجد (إذا نظرت إلى صورهم) أي فكرة أو مؤشر يساعدك في هذا الصدد".
قد يبدو من المفارقة أن نشير إلى أن النمو السكاني الهائل الذي تشهده كينيا يتزامن مع تراجع معدل المواليد في البلاد. فبينما كان عدد الأطفال الذين يُتوقع أن تنجبهم كل امرأة هناك 8.1 في المتوسط عام 1978، فقد هوى العدد إلى 4.6 في 2008، ومن المتوقع أن يتواصل التراجع ليبلغ 2.4 بحلول 2050.
ورغم أنه من المتوقع أن تتباطأ معدلات الإنجاب خلال السنوات المقبلة، فإن إجمالي عدد سكان أفريقيا - بشكل عام - سيواصل النمو بنسبة هائلة، ليفوق ملياريْ نسمة بحلول 2050 أيضا.
وعلى أي حال، من الصعب الإبقاء على معدلات النمو مرتفعة في بلد ما، في وقت يتزايد عدد سكانه بإفراط. ويقول البعض إن الكثير من الملياريْ نسمة - الذين يُتوقع أن تضمهم جنبات أفريقيا بحلول عام 2050 - سيواجهون تحديات ضخمة، ما لم تحرص حكومات بلدانهم على التخطيط بشكل سليم، وتعمل على توفير الوظائف وضخ الاستثمارات في مجال البنية التحتية.
لكن آخرين يرون أن عوامل مثل التوسع المتزايد للمناطق الحضرية جنبا إلى جنب مع التطبيق المدروس لبرامج تنظيم الأسرة وحدوث ما يُعرف بالاستيعاب الثقافي، قد توفر جميعا أملا لدول مثل كينيا، تواجه تحولات ديموغرافية هائلة.
وبالعودة إلى المسؤولة الأممية بيلا هوفي، سنجد أنها ترى أن ثمة "تقدما هائلا" أُحْرِزَ رغم التحديات التي يحفل بها المستقبل. وتقول: "يحلو لي اعتبار أن وجود تقسيمات ديموغرافية يشكل فرصة؛ نحن بحاجة إلى الاستفادة منها".
ويمثل مشروع "ديموغرافيكا" احتفاءً بهذا التقدم الذي تحدثت عنه هوفي. فتصوير المشروع لكينيا وسكانها يُظهر أن التحولات المستمرة التي تطرأ على سمات سكانها، المتعلقة مثلا بالعمر والنوع والانتماء القبلي، قد تؤدي في واقع الأمر إلى جَسْر الاختلافات التي قسّمت البلاد في يوم ما، أو إلى التقريب بين مكوناتها أكثر من ذي قبل.
وفي النهاية يقول جونز: "يضفي مشروع كهذا طابعا إنسانيا على البيانات والإحصائيات. إنها وسيلة للتوافق مع الواقع، ولرؤية كيف يتغير عالمنا".

Friday, October 4, 2019

"كنت أتطلع لإنجاب 13 طفلا، أما الآن فلا أفكر في الإنجاب مطلقا"

لم يساور براندالين بيكنر في صباها شك في أنها ستنجب مستقبلا 13 طفلا. وقد تشربت بيكنر، التي نشأت في كنف عائلة كاثوليكية في شيكاغو بولاية إلينوي، هذه الأفكار أثناء دراستها في المدرسة الثانوية الكاثوليكية. لكن بعد الجامعة انخفض سقف تطلعاتها إلى أربعة أطفال فقط.
وعندما بلغت 23 عاما، انضمت إلى متطوعي "فيلق السلام" الأمريكي في مالاوي، وما لبثت أن أعادت النظر في خطتها.
وتقول بيكنر إنها رأت خلال السنوات الأربع التي قضتها في مالاوي تبعات تغير المناخ، إذ لاحظت عن كثب مدى تأثير الأنماط المتغيرة للمناخ على نمو المحاصيل الزراعية التي يعيش عليها جيرانها وأصدقاؤها.
وشعرت بيكنر بوخز الضمير بسبب نمط الحياة الأمريكي، الذي يتسبب في إنتاج كميات هائلة من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري.
وسرعان ما أدركت بيكنر أن إنجاب طفل في أمريكا سيفاقم مشكلة انبعاثات الكربون. ففي الدول المتقدمة يصل نصيب الطفل من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون إلى نحو 58.6 طنا متريا في العام، في حين أن نصيب الطفل في مالاوي من انبعاثات الكربون قد يتراوح بين 0.07 و0.1 طن متري سنويا.
وأثناء عملها في مالاوي، التقت بيكنر بزميلها في "فيلق السلام" تشيز مورغان، وأقاما علاقة غرامية وانتقلا للعيش معا في واشنطن، حيث تعمل بيكنر مسؤولة علاقات عامة بوكالة فيدرالية، بينما يعمل مورغان في وكالة دولية لتطوير البنية التحتية للطاقة.
ويقول مورغان: "اتخذ كل منا هذا القرار بمفرده. فقد أردت عن نفسي أن أخفض نصيبي من انبعاثات الكربون وتأثيري على البيئة قدر الإمكان".
وأصبحت بيكنر ومورغان جزءا من حركة ناشئة تربط بين تغير المناخ وبين الخيارات الشخصية ذات الصلة بالإنجاب. وفي ظل تزايد المخاوف من تغير المناخ، يرى البعض أن قرار تكوين أسرة بات محفوفا بالمشاكل والتحديات.
وعلى الرغم من أن انخفاض معدلات الإنجاب في الولايات المتحدة مرده بالأساس إلى عوامل اجتماعية واقتصادية، إلا أن ثمة أدلة متزايدة تؤكد أن البعض يأخذون في الاعتبار أيضا تغير المناخ عند التفكير في تكوين أسرة.
وأشار استطلاع للرأي أجراه موقع "بيزنس إنسايدر" العام الحالي إلى أن 38 في المئة تقريبا من الأمريكيين من سن 18 إلى 29 عاما يرون أن تغير المناخ يجب أن يؤخذ في الاعتبار عند اتخاذ قرار الإنجاب.
وأجرى ماثيو شنايدر مايرسون، أستاذ مساعد للدراسات البيئية بكلية ييل-جامعة سنغافورة الوطنية، استطلاعا للرأي شمل 901 شخص حول العالم من سن 27 إلى 60 عاما، وذكروا أنهم يربطون تغير المناخ بقرارات الإنجاب، وكان بعضهم آباء أو يخططون للإنجاب أو لم يقرروا بعد أو متمسكون بقرار الامتناع عن الإنجاب.
ويقول شنايدر تعليقا على نتائج الدراسة: "إن قرار الامتناع عن الإنجاب مؤلم للكثيرين من الشباب الحريصين على المناخ. بينما أعرب البعض عن مخاوف عامة بشأن تزايد انبعاثات الكربون، فقد أبدى آخرون قلقا عميقا وحزنا حيال مصائر الأطفال في هذا العالم في ظل تغير المناخ".
ويرى أن أعداد الناس الذين يخافون على مستقبل أطفالهم ويمتنعون عن الإنجاب بسبب المخاوف من تبعات تغير المناخ سيزداد ما لم تتخذ إجراءات فورية لمكافحة تغير المناخ.
وفي المقابل، ثمة أبحاث تؤكد أن سياسات وإجراءات تحديد النسل، مهما بلغت قسوتها، لن تسهم كثيرا في إبطاء معدل النمو السكاني أو تخفيف حدة آثار تغير المناخ.
وتقول بيستي هارتمان، أستاذة الدراسات التنموية بكلية هامبشير بمساتشوستس، إن معدلات المواليد تراجعت بالفعل حول العالم، باستثناء عدد قليل من البلدان التي لا تزال معدلات المواليد فيها مرتفعة نسبيا، مثل دول أفريقيا جنوب الصحراء، لكن نصيب الفرد من انبعاثات الكربون في هذه الدول هو الأكثر انخفاضا على مستوى العالم.
وترى هارتمان أنه يجب التركيز من باب أولى على شركات الوقود الأحفوري، وهي سبب رئيسي في تغير المناخ، والتصدي للمصالح السياسية والعسكرية التي تدعمها.
وخلصت دراسة أيضا في عام 2017 نشرت في دورية "وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم" إلى أن السياسات والتقنيات التي ترمي إلى ترشيد استهلاك الموارد ستكون أكثر فعالية بمراحل من سياسات تحديد النسل.
وظهرت جمعيات جديدة في هذا المجال لتحويل النظر من تحديد النسل إلى إدخال تغييرات في السياسات للحد من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري على مستوى العالم، مثل جمعية "كونسيفابل فيوتشر" و"بيرث سترايك". وترى كلا الجمعيتين أن المخاوف من تغير المناخ تقيد خيارات الشباب المهتمين بالبيئة بشأن الإنجاب.
وتشجع هذه الجمعيات الناس حول العالم لمشاركة مخاوفهم من الإنجاب، وتحث الشباب على الدفاع عن حقهم في اتخاذ قرار الإنجاب في عالم غير مهدد بالكوراث البيئية الناتجة عن تغير المناخ.
وتقول ميغان كولمان، التي شاركت في تأسيس جمعية "كونسيفابل فيوتشر"، إن المخاوف التي أفصح الناس عنها، سواء من خلال موقع الجمعية على الإنترنت أو الحفلات التي تنظمها الجمعية حول العالم، كان من بينها: "ما حجم الضرر الذي قد يسببه طفلي للعالم؟" أو "كيف يمكن أن يؤثر العالم الأقل استقرارا والأكثر حرارة وعنفا على طفلي؟" وحتى "يتملكني الرعب كلما تصورت إنجاب طفل في ظل هذا المستقبل الذي تكتنفه سحابة كثيفة من الغموض".
لكن الهدف من هذه الجمعية، على حد قول كولمان، ليس زيادة النسل أو الحد منه، بل إن الغاية النهائية هي أن نعيش في عالم أكثر نظافة واستدامه، حيث يمكننا اتخاذ قرارات صائبة في مصلحتنا.
وتقول بليث بيبينو، الناشطة التي أسست جمعية "بيرث سترايك" في نهاية 2018 في المملكة المتحدة، إن الجمعية تهدف إلى استخدام القرار الاستثنائي بالامتناع عن الإنجاب للضغط على الحكومات والمؤسسات لتخفيض الانبعاثات إلى أدنى مستوى.
وترمي الجمعية إلى حشد الناس للدفاع عن المناخ عن طريق التركيز على قرار الإنجاب، لكن ليس لها علاقة بتنظيم النسل. وقد أعلن معظم أعضاء الجمعية عن اعتزامهم الامتناع تماما عن الإنجاب حتى يروا بصيص أمل في مستقل كوكب الأرض.
ووسط ضبابية المستقبل، لا يزال الكثيرون في حيرة من أمرهم حول قرار الإنجاب.
وتقول فيروريلي: "نحن نجمع الناس معا ونشجعهم على الانخراط في الحديث مع الآخرين في محاولة للتوصل إلى حلول".
وتقول بيبينو إنها اتخذت قرار الامتناع عن الإنجاب منذ أن كانت في العشرينيات من عمرها، لكنها غيرت رأيها بعد أن التقت شريك حياتها.
وتنوي بيبينو، التي تبلغ من العمر الآن 33 عاما، وشريك حياتها أن يتبنيا طفلا، لأنها لا تزال متمسكة بقرار عدم الإنجاب حتى تختفي انبعاثات الكربون من العالم، وينخفض استهلاك الموارد التي تمثل بيئات طبيعية للحيوانات والنباتات المختلفة، وقطعها وتدميرها.
وتقول بيكنر: "نفكر أنا ومورغان جديا في التبني مستقبلا إذا تهيأت الظروف لتربية طفل، لكنني مقتنعة بقرار الامتناع عن إنجاب المزيد من الأطفال في هذا العالم".